الحقيقة عن الإنسان – ١

by

كلمة شكر
________________________________

يطيب لي أن أشكر زوجتي شارو التي تنمو و”تتقوى في الرب”، كما وأولادي الثلاث: إيان، وإيفان، وروان، القادرين أن يأخذوني بعيدًا عن عملي في لمح البصر. كما وأود أن أشكر فريق هارت كراي، الذي شجعني على طباعة ونشر هذا العمل، وأخصّ بالذكر القس تشارلز لايتر خادم الله في كيركفيل، ميزوري، وصاحب النصائح التي

لا تقدَّر بثمن .

مقدمة

أسلوب الدراسة

إن الهدف الأساسي من هذه الدراسة هو أن يتمكّن الباحث من اللقاء مع الله عبر كلمته. فهذه الدراسة مصمّمة بطريقة تجعل المضي فيها أمرًا يستحيل على الباحث دون وجود كتاب مقدس مفتوح أمامه؛ والسبب هو أن هذه الدراسة قد تأسست على القناعة التامة بأن الكتاب المقدس هو كلمة الله الموحى بها والمنزّهة عن أي خطأ. وهدفنا من الدراسة هذه هو طاعة ما نصجنا به الرسول بولس في الإصحاح الثاني من رسالته الثانية إلى تيموثاوس والعدد الخامس عشر: “اجْتَهِدْ أَنْ تُقِيمَ نَفْسَكَ للهِ مُزَكّىً، عَامِلاً لاَ يُخْزَى، مُفَصِّلاً كَلِمَةَ الْحَقِّ بِالاِسْتِقَامَةِ.”

يتناول كل درس موضوعًا محدّدًا حول عقيدة الإنسان. ينهي الدارس كل درس بالإجابة على الأسئلة المطروحة وفقًا للنصوص الكتابية المحددة. يشجّع الدرس الباحث على التأمّل في كل نصّ وبعدها على تدوين أفكاره. أما ما يحصده الباحث من فوائد هذه الدراسة فهو أمر يعتمد على الوقت والمجهود الذي يستثمره الباحث فيها. ستكون الفائدة لا تُذكر إذا أجاب الدارس على الأسئلة من دون التفكير مليّا بالنصوص الكتابيّة، أي إذا قام بنسخ النص دون أن يحاول فهم المعنى.
سيكتشف الدارس أن هذه الدراسة هي دراسة كتابية في المقام الأول؛ ولا تحتوي على صور توضيحية غنية بالألوان، ولا على قصص طريفة، أو حتى تفاسير لاهوتية. إن رغبتنا في تقديم هذه الدراسة هي أن نقدم عملًا يقود الباحث إلى الكتاب المقدس، تاركين المجال الكامل للكتاب المقدس أن يفسّر نفسه بنفسه.

يمكن استخدام هذا الكتاب على الصعيد الفردي، أو ضمن مجموعات صغيرة، أو في فصول مدارس الأحد. يُنصح بشدة أن يُكمل الدارس كل فصل بنفسه قبل المناقشة والأسئلة مع المجموعة أو مع قائد خدمة التلمذة.

نصيحة للدارس

نشجّع الباحث على دراسة التعليم الكتابي ومعرفة سمو مكانته في الحياة المسيحيّة. لا يتحمّل المسيحي الحقيقي أو بالأحرى لا يمكن أن يعيش حالة انفصال بين العواطف والعقل، أو بين عبادة الله وعقيدة الله.

بحسب الكتاب المقدس، لا يمكن لعواطفنا ولا لاختباراتنا أن تؤمّن أساسًا سليمًا للحياة المسيحية. وحده الحق الكتابي، الذي نفهمه بالفكر ونتلقاه من خلال العقيدة، وحده القادر على تأمين ذلك الأساس الراسخ الذي يجب أن نبني عليه معتقداتنا وسلوكنا، وبذلك فإن الحق الكتابي وحده القادر أن يقرر صحّة عواطفنا واختباراتنا. فالفكر ليس عدوًا للقلب كما أن اللاهوت ليس عائقًا أمام العبادة. كلاهما لا غنى عنه، ويجب ألّا نفصل بينهما. يوصينا الكتاب المقدس أن نحب الرب إلهنا من كل القلب والنفس والفكر (متى ٢٢ :٣٧) وأن نعبد الله بالروح والحق (يوحنا 4: 24).

إن دراسة اللاهوت من عمل عقلي وتعبدي. إن اللاهوت بحث مشبوب بالعاطفة عن الحقّ الإلهي الذي يقود الإنسان دائمًا وعلى نحو متزايد إلى تغيير شخصي، وطاعة وعبادة لله بإخلاص. لذا على الدارس أن يتوخّى الحذر من الخطأ الفادح وهو السعى للمعرفة المجردة من دون معرفة الله بطريقة شخصية. لا تنفع العبادة الخالية من التفكير، ولا الجهد الفكري المجرد؛ لأنه بذلك يكون الله غير مكرّم في كلتا الحالتين.

الدرس الأول

خلق الإنسان

تُعلّمنا الأسفار المقدّسة أن الإنسان ليس صدفة مفبركة غير منطقيّة، بل هو عمل إبداعي صنعته يد الله الأزلي. بعد أن كَوَّن الله جميع خلائقه جبل آدم، الإنسان الأول، من تراب الأرض، ونفخ في أنفه نسمة حياة فصار آدم كائنًا حيًّا. ثم من آدم خلق الله المرأة حوّاء لتكون له رفيقة له ومعينة. وأمرهما الله بأن يكثروا ويملأوا الأرض التي وهبها لهم ليتسلّطوا عليها. لذلك يجد البشر جميعًا قاسمًا مشتركًا بينهم، وهو اتحادهم من حيث النسب بآدم وحوّاء وانتسابهم إليهما.
من الواضح في الكتاب المقدس أن الله هو الذي خلق آدم وحوّاء لنفسه؛ لهذا السّبب لا يجد الإنسان معنى وجوده إلا في محبته لله وتمجيده له وعمل مشيئته. ما يميّز الإنسان عن كل الخليقة هو أنه خُلق على صورة الله imago dei ، وله وحده أعطى الله ميزة الشركة الشخصيّة والثابتة معه.

إن هذه الحقائق بغاية الأهميّة بالنسبة لنا لأنّها تحدّد هويّتنا وتبين الهدف الذي خلقنا لأجله. لسنا نحن مصدر وجودنا، بل أتى بنا الله إلى الوجود بقوّته وبوفرة نعمته وبحسب مشيئته الكريمة. لذلك نحن لسنا ملكًا لأنفسنا بل لله الذي خلقنا لمقاصده ومسرّته. وإن كنا نبحث عن الانفصال عن الله فهذا يعني أننا نقطع أنفسنا عن مصدر الحياة. وإن كنا نعيش باستقلاليّة عنه وعن مشيئته فهذا يعني أننا ننكر الهدف الذي خلقنا من أجله.

١. إن قصّة خلق الإنسان في الكتاب المقدس مدوّنة في الإصحاح الثاني من سفر التكوين. اكتب هذه القصّة باختصار كما جاءت في تكوين ٢ :٧، ثم أجب على السؤال: بماذا تخبرنا هذه القصّة عن أصل الإنسان وعن علاقته بالله؟

2. ورد أيضًا في الإصحاح الثاني من سفر التكوين قصّة خلق المرأة الأولى، حوّاء. لخِّص هذه القصّة كما جاءت في تكوين ٢ :٢١-٢٣. بماذا تخبرنا هذه القصّة عن أصل المرأة وعن علاقتها بالله؟

3 . بعد أن فهمنا الحقيقة عن عمليّة خلق الإنسان، وأنها من إبداع الله، لنتأمل الآن في ما يميّز الإنسان عن باقي الخلائق. كيف يتميّز الإنسان عنها وفقًا للعبارات التالية من تكوين ١ :
٢٦؟

أ. نعمل الإنسان…

مساعدة في الدراسة: لا نجد هنا في كلام الله عبارة “ليكن إنسان” كما كانت الحال عندما خلق الله كلّ شيء آخر (تكوين١:٣، ٦، ١٤)، بل نجد عبارة “لنعمل الإنسان.” تحمل هذه العبارة معنى يدلّ على العلاقة الشخصيّة الأسمى. وهناك تفسيران محتملان للعبارة التي تُرجمت “نعمل…” الاحتمال الأول هو أن العبارة هي في لغّة الجّمع أي أنّها تدلّ على الجلالة والسلطان. لقد كان شائعًا قديمًا عند التعريف بالملوك أو مخاطبتهم استخدام لغة الجّمع. الاحتمال الثاني هو أنّها تشير إلى الثالوث. فالخلق هو عمل قام به الآب والرّوح القدس (تكوين ١ :2) والابن (يوحنا 1: 1 – 3؛ كولوسي ١ :١٦ (

ب. على صورتنا…

مساعدة في الدراسة: الله لم يقل: “كجنسه،” كما هي الحال مع الخلائق الأخرى (1 :١١، ١٢، ٢١، ٢٤، ٢٥)، بل قال الله نعمل الإنسان “على صورتنا”. فالبشريّة متفردة بين باقي الخلائق لأنّها الوحيدة التي قيل عنها أنّها على صورة الله imago dei.

تشير صورة الله إلى الميزات التالية:

١ – الشخصيّة: كان آدم وحوّاء يتمتعان كلٌ بشخصيته ووعيه الذاتيين. فلم يكونا مجرد حيوانات مدفوعة بغرائزها، ولا آلات مبرمجة لتتجاوب مع مثيرات أو محركات معيّنة.
٢- الروحيّة: يعلن لنا الكتاب المقدس أن “الله روح” (يوحنا ٤ :٢٤)، لذلك من المعقول أن نتوقع وجود هذه الصفة نفسها في الإنسان، بما أنه مخلوق على صورة الله. كان آدم حوّاء أكثر من مجرد عرائس متحرّكة من الصلصال؛ لقد كانا كائنين روحيين، وقد منحهما الله قدرة حقيقيّة لتعرُّف الله والتمتع بعلاقة شركة معه، والتجاوب معه وصيّته بطاعة وعبادة وشكر.
٣ – المعرفة: يصف الكتاب المقدس في كولوسي 3: 10 جانبًا من صورة الله في الإنسان وهو معرفة الله معرفة حقيقيّة. هذا لا يعني أن آدم وحوّاء عرفا كلّ ما يمكن معرفته عن الله – فلا يمكن للمخلوق المحدود أن يعرف الله غير المحدود بشكل كامل. بل ما يعنيه هنا هو أن المعرفة التي كانت عندهما كانت نقيّة غير ملوّثة.
٤- حرية الإرادة: خُلق الله آدم وحوّاء بإرادة ذاتيّة؛ أي كانا يمتلكان القدرة على التقرير، ومنحهما الله حريّة الاختيار.
٥- الخلود؛ على الرغم من أنّ آدم وحواء مخلوقين؛ وبالتالي كانت لهما بداية، ومع أنّ كلّ لحظة من وجودهما كانت تعتمد على لطف الله الذي خلقهما، إلّا أنه قد منحهما نفسًا خالدة في اللّحظة التي خلقا فيها، وهذه النفس الخالدة لن تتوقّف عن الوجود. فخلود النفس ينبغي أن يقود كل إنسان للتفكير مليًا في المسئولية الجسيمة التي تنطوي عليها الإرادة الحرة. وبما أن النفس أبديّة، فخياراتنا سوف يكون لها نتائج أبديّة لا يمكن الهروب من مواجهتها.

ج. فيتسلّطون على…

مساعدة في الدراسة: أُعطي للرجل والمرأة امتياز ومسئولية التسلط على كلّ الخليقة بالنيابة عن الله. فسلطانهما لم يكن مقررًا له أن يعمل بمعزل عن سلطان الله، بل في تناغم وانسجام تام مع مشيئته. كان عليهما أن يتسلطا على الخليقة ليحفاظا عليها ويعتنيا بها من أجل مجد الله.

٣. عرفنا من تكوين 1: 26 – 28، أن الإنسان فريد عن باقي المخلوقات لأنه وحده الذي خُلق على صورة الله. سوف نكتشف في المقاطع الكتابية التالية أنّه وعلى الرّغم من أنّ الإنسان مميّز عن باقي المخلوقات إلّا أنّه يتشارك معها الهدف نفسه. فلم يُخلق الإنسان من أجل نفسه، بل خُلق لمجد الله ولإرضاء مشيئته الصالحة. ماذا تعلّمنا المقاطع الكتابيّة التالية عن هذه الحقيقة؟

مزمور ١٠٤ :٣١

رومية ١١ :٣٦

كولوسي ١ :١٦

٤ . يعلمنا الكتاب المقدس أن الله خلق الرجل والمرأة لنفسه؛ لذا فهما لا يجدان معنى لوجودهما إلا في محبتهما لله، وتمجيده وعمل مشيئته. لسنا نحن مصدر وجودنا، بل الله هو الذي أوجدنا بقوّته وإرادته الصالحة. لذا نحن لسنا ملكًا لأنفسنا بل لله الذي صنعنا لمقاصده ومسرّته الصالحة. كيف ينبغي للبشر أن يتجاوبوا على ضوء تلك الحقائق العظيمة؟

أ. بمخافة :مزمور ٣٣ :٦-٩

ب . بعبادة: مزمور ٩٥ :٦

ج . بخدمة: مزمور ١٠٠ :٢-٤

د . بمحبّة: مرقس ١٢ :٣٠

ه . بتمجيد وإكرام له: ١ كورنثوس ١٠ :٣١