مثابرة القديسين
by
من نحن لنجعل اﻵيات المدهشة فى عبرانيين 6: 4-6 بتحذيرها المهيب ضد الارتداد، مفراً من اﻹيمان والرب؟ كثيرًا ما كانت هذه اﻵيات مصدراً للحيرة والفزع للمؤمنين لقرون عديدة. وباستمرار ما تُرسم علاقة بين هذا المقطع ومقاطع أخرى في العهد الجديد تتحدث عن الخطيئة التى لا تُغتفر مثل التجديف على الروح القدس (مرقس 3: 28-30، متى 12: 31-32) و “خطية الموت” (1يوحنا 5: 16-17). نلاحظ هنا اختلافات وتشابهات ظاهرة للعيان. لقد تعرفت إلى أشخاص كانوا على اقتناع بأنهم ارتكبوا هذه الخطية، وأن السراج الذى قد أُضئ لهم قد انطفأ.
لابد على المسيحيين في الحقيقة العيش بتوازن دقيق بين حالتي الزهو واليأس المفرطتين.
سنتناول أولاً الزهو. على مدار سنوات تقابلت مع العديد من الذين كانت خطية الزهو تطوقهم. ومن الأمثلة التى ترد على ذاكرتي، ربما لأن المرأة المعنية ترتكز على رأس قائمة طويلة قادمة. عندما كنت طالبًا للاهوت قمت ببعض الزيارات المنزلية لجلب أصوات لإحدى الكنائس التى كان جمهورها متفرق فى الضواحى، وأصر راعي الكنيسة على فعل كل ما يمكنه للوصول إليهم فى الحى. طرقت جرس باب منزل ما. وبعيد فترة وجيزة فتحت عجوز. كان حديثنا مقتضباً، سألتها عما إذا كانت مسيحية، ما إذا كانت تؤمن بالرب يسوع المسيح. وكان ردها فوريًا. نعم، ’’بكل ثقة’’ أنا مسيحية “. ثم سألتها، أي كنيسة تذهبين. حيث ثبت أن ذلك أمرًا مختلفًا تمامًا. فهى ادعت أنها مسيحية، لكنها ولسنوات لم تر حتى باب كنيسة. صعقتنى طريقة تفكيرها الغريبة والمتناقضة. كانت القاعدة التى ادعت بها إيمانها هى قبولها فى الماضى البعيد دعوة الإنجيل التى قدمتها خدمة الآحاد لبيلى جراهام أثناء إحدى الحملات الإنجيلية فى مدينتها. إنها خُلصَت ذات مرة. فهي غير مُطالبة بأي شيء آخر.
لربما كانت هذه العجوز تضع شخصًا آخر فى مكانه، لقد ظننت هذا أثناء محادثتنا القصيرة. مع ذلك، أعتقد أنها عنت تمامًا ما قالته. ففي القرن الثالث الميلادي، كتب سيبريان، أسقف قرطاج: ’’لا خلاص خارج الكنيسة’’، ووافق المصلحون البروتستانت، من بينهم جون كالفن، بالقطع على هذا القول الفصل، وعدل اعتراف إيمان وستمنستر هذه المقولة قليلاً، دون المساس بمعناها: خارج الكنيسة ’’لن يكون هناك إمكانية اعتيادية للخلاص’’.
ما من مجال هنا لمناقشة ’’الأمان الأبدى’’ ولا اعتبار عبرانيين 6: 4-6 منطلقًا لذلك. فأولئك الذين يؤمنون بعدم ارتداد المؤمن بتاتًا عن النعمة ، قالوا ذلك حين ’’يخلص’’ المرء، وبدون فعل أي شيء من جانبه. فتعبيرات مثل ’’أمان أبدى’’ و’’خلص مرة وإلى الأبد’’ غير مكتملة وتشكل خطورة. أقول هذا لعدة أسباب، ولكن أهمها، إنها تنتهك تعاليم الكتاب المقدس. فهناك تعبير أخر أكثر موثوقية وعمقًا: هو ’’مثابرة القديسيين’’ الذي يعني بوضوح أن المؤمن هو الشخص الذى يعيش حياة طاعة منضبطة من خلال نعمة الله. لا بد أن يتفق المؤمنون حول لفظ “المثابرة”، بوضع تعريف له.
فالكلمات المهيبة في عبرانيين 6: 4-6 عميقة وتقشعر لها اﻷبدان وتنهي عن افتراض الإيمان فى حالة اللامبالاة الروحية، لأن ذلك يقود إلى هلاك الروح.
أما الحالة الثانية، والتي لها أهمية كبيرة أيضًا، هي اليأس. من قرأ رواية ’’السائح المسيحى’’، لجون بانيان، وأحبها، سيتذكّر بعض تجارب السائح خلال رحلته من مدينة الهلاك إلى المدينة المرجوة، مدينة الله السماوية. بالطبع لن ينسى قلعة الشك ومالكها اليأس العظيم. بمجرد أن استيقظ السائح من سباته داخل الزنزانة واكتشفت أن في حضنه المفتاح الذى يدعى الوعد، الذى به كان يستطيع هو ورفيقه مُتفائل الهرب من أي شئ بدا لهما منيعًا.
بعض المسيحيين المعترفين بإيمانهم، الذين لا يظهرون ولو سببًا واحداً للشك فى أصالة إيمانهم، يعيشون في قلق دائم. ربما لا يطلبون رحمة الله، لكنهم يشكون فى أن رحمته تطولهم. غالباً ما تكون حياتهم اليومية فى الظلام لا فى النور، ويبدو أنهم غير قادرين على الاستناد إلى وعود الله المشرقة لفعل ذلك، فمن وجهة نظرهم، هو استخلاص استنتاجات غير مبررة فيما يتعلق بمكانتهم أمامه. تبطش آيات، عبرانيين 6: 4-6، بالخوف من نفوسهم.
فمن الضروري إدراك أن كاتب هذه الرسالة العظيمة له غرض محدد فى ضوئها. فالهدف ليس ترك المؤمنيين ثكلى بدون راحة أو رجاء، وليس من المعقول أن نحث على الشعور المتواصل بالتشاؤم، كما لو أنه في أي نقطة طوال الطريق يمكن أن تنهار الأرض تحت أقدام المؤمن. لكن الهدف هو دعوة كل من يؤمن بالمسيح ويتبعه أن يصب كل اجتهاده واهتمامه على أن طريق الإيمان هو الطاعة. ” لنَطرَحْ كُلَّ ثِقلٍ، والخَطيَّةَ المُحيطَةَ بنا بسُهولَةٍ، ولنُحاضِرْ بالصَّبرِ في الجِهادِ المَوْضوعِ أمامَنا، ناظِرينَ إلَى رَئيسِ الإيمانِ ومُكَمِّلِهِ يَسوعَ” (عبرانيين 12: 1-2).
إلى أولئك الذين يشككون في قوة الوعظ، يمكننى تقديم توضيحًا يدعمه. كنت مجرد صبيًا حين سمعت عظة ما، ولكنني خلال أكثر من خمسة وخمسين عامًا لم أنسها قط. ربما جزءا من سبب تأثيرها المديد كان مصداقيتها ثم فائدتها والقلق بشأن ’’خطيئة للموت’’. لقد ساعدتنى جملة واحدة من هذه العظة القديمة، وساعدتني لكى أساعد آخرين طول الطريق، قال الراعى: ’’الخطيئة التى لا تغتفر هى تلك الثابتة والعنيدة والمستمرة’’. فهذا التعريف، تمعنت فيه مليًا، صحيح تمامًا، ولا أعلم كيف يمكن جعله أفضل من ذلك.
Perseverance of the Saints by John de Witt
Copyright Ligonier Ministries. Used by permission. All rights reserved. www.ligonier.org





