طريق واحد أو طُرق كثيرة
by
في النهاية أليست كل الديانات مُتشابهه ؟ ألا يوجد إختلافات في المُعتقد العام حول سعي الإنسان وراء الله ؟ هذه الأسئلة غالباً ما تواجه المؤمن بالمسيح ، وبخاصة في حرم الجامعات . بشكل عام هذه المُناقشات على هذا الموضوع لا تأخذ وقتاً طويلاً حتى وتنتهي بجهالة المؤمن بالمسيح أو قلة فهمه في قناعاته بأن المسيحية هي فريدة عن باقي الديانات في العالم . في النهاية من هو الذي يقول بأن هذه الديانة أو تلك صحيحة أو خاطئة ؟ بعض المعتقدات تكون مقبولة أو غير مقبولة بحسب كل حضارة ، ولكن أن تعتقد بأنه يوجد ديانة واحدة تنطبق على كل إنسان في كل الأجيال ـ إنه لتعصب شديد!
يوجد تباين واضح ما بين المسيحية على وجه الحصر ، وبين الديانات الأخرى التي يبرز فيها المفهوم بأن كل الديانات المختلفة تشير إلى نفس الشيء. فمثلما يوجد طرق كثيرة لتسلق الجبل ، كذلك يوجد طرق كثيرة تؤدي إلى الله . هذا وبلا شك لإعتقاد شائعٍ. إن الأكثرية يتمسكون بهذه الفكرة المبهمة بوحدانية كل الديانات . في الواقع ، بعض الحركات الدينية تدعو بكل إنفتاح إلى التوفيق بين كل المعتقدات ( إندماجهم مع بعضهم للحصول على الوحدة فيما بينهم ) .
لقد وُجِدَ المصطلح لهذه الفكرة في كلمات الناطق بإسم الديانة الهندوسية ” سوامي فيفيكاناندا ” في الهند. فلقد تكلم أمام المؤتمر العالمي للديانات في في العام ١٨٩٣، وأنهى خطابه قائلاً ، ” ليت إله البراهما عند الهندوسية ، الأهورامازدا عند الزرادشتية ، البوذا عند البوذية ، اليهوه عند اليهود ، الآب السماوي عند المسيحية ، يعطيكم القوة لتكملوا فكرتكم الشريفة ” هذا يُبين من الظاهر كثرة الرأفة وذو العقل المنفتح . إن كل الناس يسعون تجاه الشيء نفسه ، ولكن بكل بساطة يدعونه بتسميات مختلفة . فهل إله البراهما عند الهندوس بالحقيقة هو مثل الآب السماوي عند المسيحية ؟ هذا أبعد جداً عن الحقيقة!
بالرغم من وجود إختلافات كثيرة في الفكر الهندوسي ، فإن المدرسة الهندوسية الأكثر تأثيراً تُعلِّم بأن الله هو غير مُتميز ، لا شخصي في وحدانيته . ( يجب علينا أن نحترز من تسمية إله الهندوس بال ” هو” بل بِ”الشيء” ، بحيث أن إله الهندوس بحسب التعريف هو غير شخصي . ) في عالم الفلسفة هذا يُدعى الأحَدية . لكن بغض النظر عن ما يُدعى به ، فهو بكل تأكيد مناقض تماماً عن الإيمان المسيحي في الثالوث الشخصي لله .
من الممكن إعطاء أمثلة متعددة من ديانات رئيسية وثانوية في العالم . مثلاً، من الصعب جعل عبادة الضفدع متساوي مع عبادة الخالق الشخصي ـ اللامحدود ! بكل بساطة لا يمكنك القول بأن هذه الديانات في الواقع تُشير إلى الشيء نفسه. إن هذه الحقيقة بالذات بوجود تلك الكلمات مثل الشرك ( الإيمان بعدة آلهة ) ، وحدة الوجود (الكل هو الله ) ، والتوحيد ( الإيمان بالله الواحد ) التي تنطبق إلى هذه الديانات المختلفة ، يبرهن بأنه لديهم في الصميم مفاهيم مختلفة جذرية للحقيقة ذاتها.
ليس الكل صحيح
من هنا نستنتج بأن ديانات العالم لا يمكن أن تكون كلها صحيحة . من الممكن للفرد أن يُجمل على أن كل الديانات خاطئة ، لكن منطقياً لا يمكنه أن يُجمل بأن كل الديانات صحيحة . في كلمات الفيلسوف بيرتراند راسل ، ” من الجلي بالنسبة إلى المنطق أنه ، بحيث أنهم غير مُتفقين ، فلا يمكن لأكثر من واحدة منها (ديانات العالم ) أن تكون صحيحة.
بكل تأكيد ، هذا لا يعني أنه لا يوجد على الأقل بعض الأجزاء من الحقيقة في كل الديانات بالعالم . ( حتى ساعة الحائط المعطلة تعطينا الوقت الصحيح مرتين في اليوم . ) وأيضاً هذا لا يعني أنه لا يوجد بعض الأجزاء المشتركة في الكثير من الديانات . في الأغلب فإن هذه الأشياء مثل التسلسل الهرمي للهيئة الكهنوتية ، طقوس العبادة ، والنمط الأخلاقي للسلوك المفترض هي شبه مطلقة . فماذا يعني هذا ، فإننا نجد خلف هذه الأجزاء المشتركة السطحية بعض الأراء المختلفة الأساسية بخصوص الله وكيف يمكن للإنسان أن يتصالح معه.
من الممكن إعطاء مثل آخر يساعد على توضيح هذه النقطة . بالرغم من حقيقة وجود بعض التشابهات السطحية في التعليم ما بين الإسلام والمسيحية إلا أننا نجد في الصميم بأن التعليم الجوهري هو متعارض. في الإنجيل المسيح جاء على كونه آبن الله المقدس الذي تجسد (أصبح إنساناً) لكي يصالح الإنسان الخاطيء لدى الله من خلال موته الكفاري على الصليب ( يوحنا ١ :١٤ ، مرقس ١٠ : ١٤ ؛ كولوسي ١ : ١٣ – ٢٢ ؛ كورنثوس الثانية ٥ : ١٩ ) . في القرآن (كتاب الإسلام الكريم ) ، من الجهة الثانية ، ينصّ على أن المسيح ليس إبن الله لكنه مجرد نبي ( انظر في القران في سورة النساء ٤ : ١٧١ ؛ وسورة المائدة ٥ : ٧٣ – ٧٨ ) ، وأنه لم يمت على الصليب ( سورة النساء ٤ : ١٥٦ – ١٦٢ ) ، وأن التكفير من خلال إنسان واحد عن خطايا الآخر هو مستحيل ( سورة الانعام ٦ : ١٦٤ ) . فالمفاهيم المعطاة هنا على هذا الموضوع الجوهري هي متناقضة – إما مات أو لم يمت المسيح على الصليب . لا يمكن للإنجيل والقرآن كلاهما أن يعطيا حقائق صحيحة عن المسيح .
تفردية المسيح
نجد هذا التباين الصارخ ما بين المسيحية وكل الديانات الأخرى ظاهر بشكل جلي في نطاق شخص وعمل المسيح . نظراً إلى الحقيقة بأن المسيح قد تكلم عن إعلانات فريدة من نوعها ومذهلة عن نفسه . هذه الإعلانات لديها ميزة إستثنائية فيها بحيث أنه لا يمكن تفاديها . ” كلّ شيء قد سلّمه إليّ أبي . ولا أحد يعرف الإبن إلا الآب ، ولا أحد يعرف الآب إلا الإبن ، ومن أراد الإبن أن يُعلنه له . ” ( متى ١١ : ٢٧ ) . ” فكما يُقيم الآب الموتى ويحييهم ، كذلك يُحيي الإبن من يشاء . والآب لا يُحاكم أحداً ، بل أعطى الإبن سلطة القضاء كُلّها ، ليُكرم الجميع الإبن كما يُكرمون الآب . ومن لا يُكرم الإبن لا يُكرم الآب الذي أرسله . ” ( يوحنا ٥ : ٢١ – ٢٣ ). ” أنا والآب واحدٌ ! ” ( يوحنا ١٠ : ٣٠ ) . ” فأجابه يسوع ؛ أنا هو الطريق والحق والحياة . لا يأتي أحدٌ إلى الآب إلاّ بي . ” ( يوحنا ١٤ : ٦ ) . ” … الذي رآني رأى الآب … ” ( يوحنا ١٤ : ٩ ) .
إفتكر للحظة مُنشئي الأديان الأخرى قول الأشياء ذاتها التي قالها يسوع . هل ممكن لبوذا أو الفيلسوف الصيني كونفوشيوس أو محمد أن يقولوا هذه الإعلانات ؟ هل ممكن لأحد غير المسيح الذي تكلم بمثل هذه الهوية الفريدة مع الآب أو وضع نفسه مباشرة في وضعية العبادة الحقيقية ؟
إقرأ مرة أخرى كلمات المسيح التي ذكرت أعلاه وإقرأ النص كله التابع لهذه الآيات في الإنجيل – إنهم لمذهلين في تفردهم . حقاً ، ” لم نسمع قطٌّ إنساناً يتكلم بمثل كلامه ! ” ( يوحنا ٧ : ٤٦ )
إن كلمات أتباع المسيح الأوليين قد رددت هذا التفرد . فلقد تكلم بطرس إلى اليهود عن المسيح ، قائلاً ، ” وليس بأحدٍ غيره الخلاص ، إذ ليس تحت السماء آسم آخر قدّمه الله للبشر به يجب أن نخلص ! ” ( أعمال الرسل ٤ : ١٢ ) وأقرّ بولس بأنه يوجد إنجيل واحد حقيقي ( الإنجيل يعني – ” الأخبار السارة ” – البشرى السارة بأن موت المسيح أمّن الطريق للإنسان الخاطيء ليتصالح مع الله ) ، مستخدماً أقوى لُغة ممكنة ضد الذين يُشيرون إلى كتابٍ آخرغير الإنجيل . ” ولكن ، حتى لو بشرناكم نحن ، أو بشّركم ملاكٌ من السماء ، بغير الإنجيل الذي بشّرناكم به ، فليكن ملعوناً ! ” . ( غلاطية ١ : ٨ ). والرسول يوحنا تكلم بعبارات جداً منفردة عندما كتب ، ” ونحن واثقون أيضاً بأننا من الله ، وأن العالم كله خاضعٌ لسيطرة إبليس الشرير . وإننا نعلم أن آبن الله قد جاء إلى الأرض وأنار أذهاننا لنعرف الإله الحق . ونحن الآن نحيا فيه ، لأننا في آبنه يسوع المسيح . هذا هو الإله الحقّ ، والحياة الأبدية . ( يوحنا الأولى ٥ : ١٩ – ٢٠ ).
التوفيق الديني الإفتراضي
في ضوء هذه التصريحات ، فإن هؤلاء الذين يحاولون التوفيق بين ديانات العالم يواجهون مشكلة . فعليهم إما أن يغيروا المسيحية إلى شيء ليست عن المسيح ولا ما يُقرّون به رسل المسيح ، أو أنهم يضعون المسيحية خارج نظامهم بالكامل . للأسف ، فإن الخيار الثاني هو الذي يمارسونه .
بالرغم من أنهم يدّعون الموضوعية والتفتح العقلي ، إلا أن بعض العقائد الدينية الفردية الجازمة جداً هي ظاهرة في هؤلاء الذين يُعيدون صياغة المسيحية من أجل التوفيق في ما بينها . أولاً ، إنهم يؤمنون بأن الله لم يُعطي إعلان واضح ولم يأتمن نفسه للإنسان . وهذا يعني ، بأنه لا أحد يعلم حقاً من هو الله . مع أنه في الظاهر يبدوعلى أن الموفقين في المسيحية يدّعون بأن كل ديانة في الجوهر هي صحيحة ، لكن عملياً فإنهم يدّعون بأن كل ديانة في الجوهر هي خاطئة . فلا أحد يعلم حقاً أيّ طريق هو الصحيح ؛ جميعنا نبحث عن إله مجهولٍ.
ثانياً، إن المؤيدون لهذه التوفيقية يفترضون بأن الإخلاص في المعتقد هو كلّ ما يهم . بحيث أن لا أحد يعلم من هو الله ، فإن الشيء الذي تضع إيمانك فيه لديه أهمية صغيرة . فقط آمن بالذي تؤمن فيه من كل قلبك ، وكل شيء هو على ما يرام .
ثالثاً، معظم الديانات لديها بعض المفاهيم عن ” القانون الذهبي ” ( ” إفعل للآخر ذات الشيء الذي تريده أن يفعله لك”) بحيث أنها متعمقة فيهم ، فالإنسان الذي يحاول أن يعيش بحسب هذا المفهوم هو بكل تأكيد مقبول عند الله المجهول . في المختصر ، فإن العقيدة التوفيقية تدعو إلى ضرورة الإيمان في شيء ما ( أي شيء ينفع) وإلى العيش حياة صحيحة أخلاقياً.
الجواب لهذه العقيدة التوفيقية ، هوأن المسيحية تُعطي جواب غير مُعقد وبسيط جداً – لقد أخبرنا الله عن ما هو عليه . لقد أعلن عن نفسه من خلال العظائم في العالم حوالينا وفي ضمائرنا . ولأكثر تحديداً، فالله أعطى الجنس البشري وثيقة مكتوبة توضح لنا من هو(الله) وكيف يمكن للإنسان أن يتصالح معه . إن الله أظهر بوضوح بأن الديانة الحقيقية هي ليست الإنسان يبحث عن الله ، لكن بلأحرى الله يبحث عن الإنسان وذلك من خلال إرسال ابنه (ابن الله) لكي يعيش ويموت في الوقت والمكان والتاريخ المحدديين. لا يوجد في صميم المسيحية طريق فيه ثمانية تشعبات أو خمسة أعمدة ، أو أي نظام آخر للتصرف الأخلاقي بحيث أن الإنسان يسعى لكي يظهر نفسه باراً أمام الله . لكن بالأحرى ، المسيحية تدعو إلى الحدث التاريخي الأبدي الهام – حياة ، موت ، وقيامة يسوع الناصري ، ابن الله . لقد قُرر هذا الحدث بواسطة الله من قبل الخليقة ، وقد تُمّ من ألفين سنة ، ومنذ ذلك الحين فإنه يُعلن للخليقة كلها في العالم.
الرسالة بسيطة :
الله يغفر الخطايا على أساس موت وقيامة ابن الله .
لايوجد طريق آخر.
أن تؤمن بشيء ما هذا لا يجعله صحيحاً، وإذا كنت لا تؤمن بشيء ما هذا لا يجعله خاطئاً أيضاً. الإيمان هو فقط منطقي بحسب الشيء الذي تضع إيمانك فيه ؛ إن الإخلاص بحد ذاته لا يضمن شيئاً ( أمثال ١٤ : ١٢ ) . المؤمنين بالمسيح سوف يتابعون التكلم عن كلام الله الموثوق به ” آمن بالرب يسوع فتخلص … ” ( أعمال الرسل ١٦ : ٣١ ) وذلك بكل فرح ولكل إنسان في كل مكان .
ريتشارد أوكس.





