الحقيقة عن الإنسان – ٢

by

سقوط آدم

خلق الله آدم وحوّاء حسب مسرّته وقصده الصالحَيْن، وأوصاهما أن لا يأكلا من شجرة معرفة الخير والشرّ. فطاعة الوصيّة كانت لتقودهم إلى حياة مليئة بالشركة المبهجة مع الله تمكّن الإنسان من الاستمرار في ممارسة سلّطته على الخليقة. وعصيان هذه الوصية كان ليقودهم إلى الموت الروحي والجسدي ومعه كلّ الأمراض والعلل الناتجة عن ذلك.

عندما جُرّب آدم وحوّاء عصى كليهما وصيّة الله؛ وكانت العواقب الوخيمة انقطاع الشركة مع الله وسقوطهما من حالتهما الأصلية، حالة البراءة والقداسة. لم تقتصر تلك العواقب الوخيمة نتيجة لعصيان آدم عليه وحده ، بل أدّت إلى سقوط البشريّة كلّها. وعلى الرّغم من عدم إزالة الكتاب المقدّس لكلّ الغموض المحيط بهذه الحقيقة العظيمة إلّا أنه يؤكّد أنّ خطيّة آدم ومعصيته قد نُسبت إلى أو حُسبت على جميع نسله، وصار جميع البشر بدون استثناء يولدون حاملين طبيعة آدم السّاقطة التي تتجلى فيها عداوة آدم لله.

سقوط آدم

بعدما خلق الله آدم على صورته أوصاه بوصية بسيطة: “أما شجرة معرفة الخير والشرّ فلا تأكل منها. وتبع هذا المنع تحذير: “يوم تأكل منها موتًا تموت” (تكوين ٢ :١٧). لكان بالإمكان أن يستمر آدم في حالة البركة التي كان عليها وربما أفضل منها لو أنّه أطاع الله. لكنّ عصيانه كانت عاقبته الموت.

١. في تكوين 2: 16، 17 توجد الوصيّة المعطاة لآدم مع التحذير. اقرأ النص حتّى تألف محتواه، ومن ثم أجب على الأسئلة التّالية:

أ . ما هو الامتياز الذي أعطاه الله لآدم وفقًا للعدد ١٦؟ كيف يبرهن هذا الامتياز على عناية الله بآدم وأنه لم يهمل احتياجاته؟

ب. ما هو الشيء الّذي كان ممنوعًا على آدم وفقًا للعدد ١٧؟ وما هو الشيء الذي أمر الله آدم بأن لا يعمله؟

ج. وفقًا للعدد ١٧، ما هو جزاء عصيان وصيّة الله؟

٢. يُسجل تكوين 3: 1 – 6 رواية كيف جُرِّب آدم وحوّاء لعصيان وصيّة الله. اقرأ النص حتّى تألف محتواه، ومن ثم أجب على الأسئلة التّالية:

أ . يعلن الكتاب المقدس في العدد الأوّل من النّص أن حيّة حقيقيّة جرّبت حوّاء. من الذي كان يعمل من خلال الحيّة بحسب رؤيا ١٢ :٩ و ٢٠ :٢؟

ب. بماذا وعد إبليس حوّاء وفقًا للعددين ٤ و٥؟

ج. كيف تجاوبت حوّاء وزوجها مع تجربة الشيطان لهما من خلال الحيّة بحسب العدد ٦؟

٣ . يُسجِّل تكوين 3: 7 – 10 ما حصل نتيجة عصيان آدم وحواء. اقرأ النص حتّى تألف محتواه جيدًا، ومن ثم دوّن أفكارك. ماذا كانت نتائج عصيانهما؟

أ. عدد ٧

ب . الأعداد ٨-١٠

مساعدة في الدراسة: (أ) بعصيان واحد سقط آدم وحوّاء من حالتهما الأصلية، حالة البراءة التي خلقوا فيها، إلى حالة الفساد الأخلاقي. لم يعد قلبيهما وأفكارهما بعد نقية، بل صارت فاسدة ومخزية. وبات ورق التين محاولة فاشلة لإخفاء خطيّتهم وفسادهم. (ب) دائمًا ما ينتج عن الخطيّة الخوف والانفصال عن الله. فالإنسان الخاطيء يهرب من حضرة الله القدّوس، ويخاف من دينونته العادلة.

٤ . بعد التفكير في النتائج المباشرة لعصيان آدم، لنتأمل الآن في أحكام الله التي أصدرها على الحيّة وعلى آدم وعلى حوّاء. اقرأ (تكوين ٣ :١٥-٢٤) ثم اشرح تلك الأحكام التي أثرت علينا جميعًا:

أ. حكم الله على الحيّة (عدد ٤):

ب. حكم الله على المرأة (عدد ١٦):

مساعدة في الدراسة: إنّ عبارة “إلى رجلك يكون اشتياقك” تدلّ على ما يلي: (١) علاقة المرأة برجلها ستكون متسمة بالشوق وانعدام التحقق؛ (2) المرأة التي سعت إلى أن تستقلّ عن الله سيكون لديها الآن رغبة جامحة أو اشتياق لرجلها. (3) العلاقة بين الرجل والمرأة ستكون متسمة بالصراع. فالمرأة “ستشتهي” أن تتسلّط على رجلها، وهو سيفرض نفوذه عليها.

ج. حكم الله على الرّجل (الأعداد ١٧- ١٩):

٥. نجد في حكم الله على الحيّة في تكوين ٣ :١٤، ١٥ أحد أهمّ وعود الخلاص في كلّ الكتاب المقدس (عدد ١٥). ويُطلق على هذا الوعد باللاتينية protoevangelium، حيث proto = الأوّل + evangelium = الإنجيل) أي :أول إشارة لرسالة الإنجيل). اكتب تعليقاتك على هذا النص.

ملحوظة: يسوع المسيح هو نسل المرأة، مريم. وقد سحق إبليس عقب المسيح على الصليب (بمعنى أن المسيح قد جُرح جرحًا غير مميت؛ فقد قام المسيح من بين الأموات. لكنّ المسيح على الصليب نفسه سحق رأس إبليس (أي أن إبليس قد جُرح جرحًا مميتًا، إذ قد هزم إلى الأبد).

أسئلة مهمّة حول السقوط

إن قصّة “السقوط” كما وردت في الكتاب المقدّس تعطينا التفسير الوحيد الدقيق لحالة الإنسان الساقطة الحالية وللشرّ الذي يحيط بنا. كما وأن أمجاد رحمة الله ونعمته ظاهرة أيضًا في ظلّ هذه الخلفية المظلمة. لن نستطيع أن نستوعب شيئًا من أمجاد المسيح وإنجيله إلا بقدر استيعابنا مأساة خطية آدم وإدانته.
في معرِض دراستنا للسقوط تواجهنا بعض الأسئلة اللاهوتيّة الأكثر تعقيدا والأكثر أهمية في كلّ الكتاب المقدس، مثل: مصدر الشرّ، وطبيعة حرية البشر، وسيادة الله وقصده الأزلي. ومع أن ما نعرفه عن هذه القضايا دائمًا ما يمتزج بقدر من الغموض، لكن من الضروري أن نجتهد لمعرفة ما يمكننا أن نعرفه. لذا سوف نتناول الأسئلة التالية:

كيف يمكن لكائن بار ومقدّس أن يسقط؟

هل قدَّرَ (عيَّنَ) الله السقوط؟

ما هو قصد الله الأزلي من السقوط؟

كيف يمكن لآدم أن يسقط؟

يؤكّد الكتاب المقدس أن السقوط لم يكن نتيجة خطأ ارتكبه الخالق؛ فكل أعمال الله كاملة (تثنية ٣٢ :4)، والله غير مجرَّب بالخطيّة (يعقوب ١ :١٣)، وهو لا يجرّب أحدًا (يعقوب 1: 13). تقع مسئولية السقوط كاملة على آدم. هذا ما يذكره الجامعة (7: 29): “اُنْظُر. هَذَا وَجَدْتُ فَقَطْ: أَنَّ اللَّهَ صَنَعَ الإِنْسَانَ مُسْتَقِيمًا أَمَّا هُمْ فَطَلَبُوا اخْتِرَاعَاتٍ كَثِيرَةً.”

في ضوء هذه الحقيقة نصطدم بأحد أكبر المشاكل اللاهوتيّة في كلّ الكتاب المقدس ألا وهي: كيف يمكن لمخلوق على صورة الله أن يختار الشر والخطيّة؟ لقد كان لآدم وحوّاء ميل صادق نحو الخير، ولم يكن فيهما شيء من الفساد أو الشرّ يمكن أن يُستغل لتجربتهما. فكيف لكائنين بارَّين مثلهما أن يختارا الشر دون الخير، ويختارا كلمات الحيّة دون وصايا الخالق؛ إن هذا لأمر غريب يفوق فهم البشر.

لقد كانت هناك العديد من المحاولات عبر التاريخ لتفسير سقوط آدم، إلّا أن لكل منها نقائصه. لذلك علينا أن نكتفِ بالحقيقة البسيطة في الكتاب المقدس التي تقول أن الله مع أنه خلق الإنسان في حالة البراءة والقداسة، كان الإنسان محدودًا وعرضة للتغيير، وقادرًا على اتّخاذ قرار مضاد لمشيئة الله.

هل قدَّر الله السقوط؟

إن كلمة “قدَّر” تعني “رتّبَ”، “عيَّن”. أن نسأل إذا كان الله هو من قدَّرَ السقوط يعني أننا نسأل ما إذا كان قد رتَّب السقوط أو عيَّن حدوثه. من الكلمات الأخرى التي لها معنى مشابه: “أمرَ، أو “قرَّر”،”أو “عيَّن مسبقًا”. هل عيَّن الله مسبقًا أو أصدر حكمًا بحصول السقوط؟ الإجابة على هذا السؤال هي “نعم”، ولكن علينا أن نفهم ما يعنيه هذا الكلام وما لا يعنيه.

تعيين الله للسقوط لا يعني أنّه أجبر الشيطان على تجربة أبوينا الأولين آدم وحوّاء، كما ولا يعني أنّه أجبرهما على تجاهل وصيّته. فما فعلاه قد فعلاه بإرادتهما. إن الله قدوس، وعادل وصالح. وهو ليس مصدر الخطيّة، وهو لا يخطيء، ولا يمكن أن يُجرَّب بالخطيّة، وهو لا يجرّب أحدا.
وتعيين الله للسقوط لا يعني أنّه كان مقرّرًا له أن يحدث. لقد كانت إرادة الله أن يُمتحن آدم، كما كانت إرادته أن يقاوم وحده ويسقط وحده من دون معونة الله التي كانت لتحفظه من السقوط. كان باستطاعة الله أن يمنع إبليس من تجربة حوّاء، أو كان باستطاعته أن يعطي آدم نعمة خاصّة تدعمه وتمكنه من التغلب على التّجربة. لكننا نعرف حسب شهادة الكتاب المقدس أنّ الله لم يفعل أيًا من ذلك.

أخيرًا، تعيين الله للسقوط يعني أنّ السقوط كان جزءًا من خطة الله الله الأزلية. فقبل تأسيس العالم، وقبل خلق الله آدم وحوّاء، والحية التي جربتهما، وقبل وجود أية جنّة أو شجرة، كان الله قد عيَّن السقوط من أجل مجده ومن أجل الخير الأعظم للخليقة. الله لم يسمح لوالدينا الأولين أن يجرّبا أولًا، ثم انتظر وقام بتأجيل ردة فعله تبعًا لما سيتخذاه من قرار. الله لم يكن مجرد شخص ينظر عبر منظار الزمن فرأى السّقوط؛ بل كان السقوط جزءًا من خطته الأزلية. وقد عيَّن سابقًا بحدوث السقوط ووجوب حدوثه.

والسؤال الذي ينشأ فورًا من مثل هذا التصريح هو:

“هلّ الله هو مُنشئ الخطيّة؟”
الإجابة على هذا السؤال يجب أن تكون النفي المطلق. الله ليس منشئ الخطيّة، ولا هو يدفع الإنسان بالقوة ليخطئ في حقه. بل قد عيَّن مسبقًا بحدوث السقوط ووجوب حدوثه، كما حدّد سابقًا وجوب حدوثه من خلال أعمال يرتكبها عمدًا الشيطان، وآدم، وحوّاء. ومع أن عقولنا المحدودة لا تقدر على استيعاب كيف أن الله الذي هو صاحب السلطان المطلق على كل أحداث التاريخ وعلى كل عمل يقوم به أيّ فرد من دون أن يلغي حريّة الفرد، إلا أن الكتاب المقدس مليء بالأمثلة التي تبرهن على صحة هذا الواقع. فمثلا، بِيعَ يوسف عبدًا نتيجة الخطيّة التي ارتكبها إخوته بملئ إرادتهم، ولكن بنهاية القصة أعلن يوسف: “أنْتُمْ قَصَدْتُمْ لِي شَرّا امَّا اللهُ فَقَصَدَ بِهِ خَيْرا لِكَيْ يَفْعَلَ كَمَا
الْيَوْمَ لِيُحْيِيَ شَعْبا كَثِيرا”( تكوين 50: 20). لقد صُلب ابن الله نتيجة لخطيّة الإنسان وعدائه المتعمد لله، ومع ذلك كان أن عيَّن الله وحتم سابقًا بموت المسيح قبل تأسيس

العالم (أعمال ٤ :٢٧-٢٨؛ ١ بطرس ١ :٢٠). نقرأ في الكتاب المقدس:

“هَذَا أَخَذْتُمُوهُ مُسَلَّماً بِمَشُورَةِ اللهِ الْمَحْتُومَةِ وَعِلْمِهِ السَّابِقِ
وَبِأَيْدِي أَثَمَةٍ صَلَبْتُمُوهُ وَقَتَلْتُمُوهُ” (أعمال 2: 23).
“لأَنَّهُ بِالْحَقِيقَةِ اجْتَمَعَ عَلَى فَتَاكَ الْقُدُّوسِ يَسُوعَ الَّذِي مَسَحْتَهُ
هِيرُودُسُ وَبِيلاَطُسُ الْبُنْطِيُّ مَعَ أُمَمٍ وَشُعُوبِ إِسْرَائِيلَ لِيَفْعَلُوا
كُلَّ مَا سَبَقَتْ فَعَيَّنَتْ يَدُكَ وَمَشُورَتُكَ أَنْ يَكُونَ…” (أعمال ٤ :٢٧-١٨)

نجد في الكتاب المقدس أن الله هو من يصمّم أو يعيّن سابقًا للأحداث أن تأخذ مجراها ومع ذلك فهو يسمح بحدوثها من خلال خطيّة البشر المتعمدة من دون أن يكون الله مصدر خطيّتهم أو أن يجبرهم على ارتكاب شيء دون إرادتهم. فالأشرار قد سمَّروا يسوع المسيح على الصليب بإرادتهم وبمسؤوليّة ووعي كامل بأفعالهم، ولكن وبنفس الوقت تم الحدث بأكمله بمشورة الله وتخطيطه السابق. فسقوط الشيطان وبعده سقوط الجنس البشري من خلال آدم وحواء، كانا نتيجة لخطاياهم التي يتحمّلون وحدهم المسؤوليّة عنها بالكامل، ومع ذلك فإن الأحداث أخذت مجراها بحسب خطة الله المعينة سابقًا. قضى الله أن يكون لخليقته هدف أبدي عظيم، وعيَّن كل حدث من أحداث التاريخ ليتحقق من خلاله هذا الهدف. لا شيء، ولا حتى سقوط الإنسان أو موت ابن الله، يحدث بمعزل عن أمر الله السيادي.

“يَا لَعُمْقِ غِنَى اللهِ وَحِكْمَتِهِ وَعِلْمِه! مَا أَبْعَدَ أَحْكَامَهُ عَنِ الْفَحْصِ وَطُرُقَهُ عَنِ الِاسْتِقْصَاء!

لأَنْ مَنْ عَرَفَ فِكْرَ الرَّبِّ أَوْ مَنْ صَارَ لَهُ مُشِيراً؟ أَوْ مَنْ سَبَقَ فَأَعْطَاهُ فَيُكَافَأَ؟ لأَنَّ مِنْهُ وَبِهِ وَلَهُ كُلَّ الأَشْيَاءِ. لَهُ الْمَجْدُ إِلَى الأَبَدِ. آمِينَ” (رومية ١١ :٣٣-٣٦)

ما هو قصد الله الأزلي في السقوط؟

بعد أن تبين أن السقوط ناتج عن عصيان المخلوق لله بملء الإرادة، ولكنه حصل في الوقت نفسه وفقًا لقصد الله الأزلي، أصبح الآن من الضرورة أن نسعى لمعرفة ما هو هذا القصد. قد يبدو من الصعب قبول فكرة وجود أي قصد صالح نظرًا لهذا الكم من الشرّ والألم الناتجين عن السقوط. ومع ذلك، فإن قضاء الله يؤكّد لنا وجود هذا القصد الصالح.

نعرف من الكتاب المقدس أن عمليّة خلق الكون، وسقوط الإنسان، وشعب إسرائيل وصليب المسيح، والكنيسة، ودينونة الأمم تتجه جميعًا نحو تحقيق هدف واحد مجيد ونهائي. هذا الهدف هو إعلان ملء صفات الله لخليقته، لكي ما تعرفه كل الخليقة، وتمجّده، وتمتلئ ابتهاجًا بخالقها وإلهها.

الإعلان الكامل لصفات الله

خلق الله الكون ليكون مسرحًا يُظهر عليه المجد اللامتناهي لشخصه وصفاته، فتعرفه خليقته وتعبده وتنعم بعلاقتها معه. قيل في السابق، على فم كثيرين، أن سقوط الإنسان هو بمثابة سحب حالكة السواد تشع فوقها نجوم الصفات الإلهية بنورها وشدة لمعان مجدها. لم يكن إلا من خلال السقوط، وحدوث الشرّ أن أصبح ممكنًا للإنسان أن يعرف ملء صفات الله بالحقيقة. ما هي صفات الله الأعزّ على قلب المؤمن عندما يعبد الله؟ أليست هي رحمة الله ونعمته، ومحبّته غير المشروطة؟ أليست هذه الصفات الإلهيّة هي الأكثر تمجيدًا في ترانيم الكنيسة؟ ولكن كيف كانت لتعرف تلك الصفات لولا السقوط؟ المحبّة الّلامشروطة لا يختبرها إلّا الذين لا تتوافر فيهم شروط المحبة. والرحمة لا تنسكب من عرش الله إلا على أولئك المستحقين للدينونة. والنعمة لا تُمنح إلا للذين لم يفعلوا شيئًا يجعلهم يستحقونها. إن حالتنا الساقطة سببها عملنا الذي يجب أن نتحمّل مسئوليته كاملة. ومع ذلك فإنّه في وسط سواد الأحداث على مسرح هذه الحالة الساقطة تظهر في بؤرة المشهد نعمة الله ورحمته، وتشرقان على الجمهور من البشر والملائكة. إنه في خلاص الإنسان الساقط تُعلن حكمة الله ونعمته ورحمته، ليس للإنسان فقط، بل لكلّ خليقة في السماء وعلى الأرض، وفي الجحيم (أفسس ٢ :٧؛ ٣ :١٠).

الإعلان الكامل لأمجاد المسيح

إن أعظم عمل قام به الله من أجل البشريّة هو موت وقيامة ابنه من أجل خلاص شعب الله. ولكن، لو لم يسقط الإنسان لما كان هناك جلجثة ولا كان هناك مخلّص. ولكان قد انمحى ذلك الشيء الذي هو أفضل ما يعبِّر عن شخص الله ووصفه (يوحنا 1: 18)، ويقربنا إليه (يوحنا 12: 32) ويجعلنا نحبّه (1 يوحنا 4: 10، 19) ماذا كان ليحلّ محله؟ وأيّة وسيلة أخرى كانت لتبرهن عن رحمة الله التي لا تقاس؟ المسيح المصلوب هو الموضوع الأعظم في كلّ ترنيمة، وعظة، وحديث، وتأمل. لولا السقوط لكان الفداء غريبًا علينا. ولكنّا كالملائكة نشتهي أن ننظر إلى شيء ما لن نختبره ولا يمكن لنا أن نختبره (ا بطرس 1: 12).
إن التلميح إلى أن صليب المسيح لم يكن إلا خطة بديلة تم تنفيذها بسبب اختيار آدم الخاطيء في الجنّة لهو خطأ جسيم يصل إلى حد التجديف. فالصّليب هو الحدث الأساسي الذي تشير إليه كل أعمال العناية الإلهية؛ وكلّ الأحداث تقف في ظل هذا الحدث العظيم. من جهّة، كان الصليب ضروريًا بسبب السقوط، ولكن من جهة أخرى، كان السقوط ضروريًا حتى تصبح أمجاد الله في الصليب معروفة تمامًا، وبكل معنى الكلمة.

الإعلان الكامل لاعتماد الخليقة على الله

إحدى أهم الحقائق عن الله، التي تبعث على الرهبة والاتضاع هي أنّه حر تمامًا من أي احتياج أو اتكال. فإن وجوده، وتتميم مشيئته، ورضاءه أو مسرّته لا يعتمد على أي أحد أو على أي شيء خارج ذاته. فالله هو بالحقيقة الكائن الوحيد الموجود ذاتيًا، والباقي ذاتيًا، والمكتفي ذاتيًا، وهو وحده الكائن الحرّ والمستقل. وجميع الكائنات الأخرى تستمد حياتها وبركاتها من الله، ولكن كلّ ما هو ضروري لوجود الله وسعادته الكاملة موجود فيه.

إن وجود الكون لا يتطلّب فقط الخطوة الأولى لخلقه بل كذلك قوّة الله المستمرّة من أجل حفظه. فلو أراد الله أن يسحب قوّته ولو للحظة واحدة فقط لصار العالم في حالة من الفوضى والدمار. هذه الحقيقة نفسها تنطبّق على جميع الكائنات الأخلاقية، سواء كانت ملائكة أو بشرا. وعلى الرغم من أن آدم في الجنة والشيطان في السماء قد خلقا بارين ومقدسين، لم يكن لهما البقاء في هذه الحالة لولا نعمة الله القدير الحافظة. وما هي قدرتنا على الصمود بالمقارنة معهما، وما مدى سرعة سقوطنا من تلك النعمة الحافظة ذاتها! السقوط إذًا يوفّر لنا أعظم مثل لمعرفة حاجتنا المستمرة إلى الله. إن كنا لا نستطيع أن نجعل وجودنا يستمر ولا إلى النَفَس التالي إلّا بقوّة الله الحافظة، فكم نحن عاجزون عن أن نحافظ على أي مظهر من مظاهر البرّ من دون نعمته؟

الدرس الثالث

سقوط الجنس البشري

يؤكّد الكتاب المقدس ثلاثة حقائق مهمّة للغاية عن سقوط آدم وعن آثاره المدمّرة على البشريّة جمعاء. بعيدًا عن هذه الحقائق يستحيل تفسير الفساد الأخلاقي عند البشر ولا الوجود الكوني للشرّ في عالم خُلق صالحًا. تلك الحقائق الثلاث هي:

١. خلق الله آدم ليكون الرأس الذي يمثّل البشريّة جمعاء. وكونه الرأس، وممثلًا للبشر، تصرّف
آدم نيابة عن كلّ البشر وهكذا كان لعواقب تصرفاته تأثيرات علينا جميعا.

2. الله “حسبَ” خطيّة آدم على جميع الناس. وكلمة حسِبَ، أو احتساب هي مترجمة عن الفعل اللاتيني الأصل “imputare” الذي يعني “يعتبر، يحسِب، ينسِب إلى، يتهم، أو يُقيِّد على حساب شخص.” وعندما تستخدم فيما يتعلق بالسقوط، فهي تعني أن الله حسِب أو قيَّد خطيّة آدم – وكأنها حساب مدين – على كل إنسان. جميع البشر يحسبون ويعاملون بوصفهم خطاة منذ لحظة الولادة بسبب خطيّة آدم.كل إنسان يتحمّل ذنب خطيّة آدم وعقوبتها.

٣. أسلم الله جميع الناس للفساد الأخلاقي. لم يكن الموت هو العقاب الوحيد لخطيّة آدم، بل الفساد الأخلاقي أيضًا – سقط آدم من حالة البراءة الأصلية وصار كائنًا فاسد الأخلاق. وبما أن الجميع يقع عليه ذنب خطية آدم فالجميع يتحمّل العقاب أيضًا، أي الموت والفساد الأخلاقي. إنّ كلّ من هو من نسل آدم مولود وعنده الميل الكامل للشرّ والعداء لله.

حقيقة لا يمكن إنكارها،

وسرٌ يتعذر تفسيره

سقوط البشريّة بسقوط آدم هو أمر سيكتنفه الغموض على الدوام. وهو من أكثر العقائد المهمة والأساسية في المسيحيّة والتي يؤكّد صحّتها الكتاب المقدس؛ وهي توفر التفسير الوحيد الملائم لحالة الفساد الأخلاقي الكوني عند البشر. وفي الوقت الذي يؤكد فيه الكتاب المقدس صحّة هذه العقيدة لا يقدّم تفسيرًا كافيًا لسبب لوجود مثل هذه الأشياء، ولا يقدم دفاعًا أمام الاتهامات المتكررة القائلة بأن تلك الأشياء ظالمة أو غير عادلة. كيف يمكن أن يكون عدلًا أن يحسب الله خطيّة آدم وذنب آدم على كل
البشر؟ إنّ النقاط التالية تستحقّ أن نأخذها بعين الاعتبار:

١. لا تعتمد صحّة أيّ عقيدة على طاقاتنا العقليّة لفهمها أو على اتفاقها مع مفهومنا، وكذلك فإن عدم قدرتنا على فهمها ليس أساسًا لرفضها. فلو كانت هذه هي الحال لما كان هناك ما يسمى بعقيدة مسيحيّة، لأنه ما من حق معلن لا يتضمّن عنصرًا من السريّة فيه. يعلن الكتاب المقدس في تثنية ٢٩ :٢٩: “السَّرَائِرُ لِلرَّبِّ إِلهِنَا وَالمُعْلنَاتُ لنَا وَلِبَنِينَا إِلى الأَبَدِ لِنَعْمَل بِجَمِيعِ كَلِمَاتِ هَذِهِ الشَّرِيعَة.” إنّه لوعد عظيم يقطعه الكتاب المقدّس بأنّ الحق الذي نؤمن به الآن مع أننا لا نفهمه تمامًا سوف يأتي اليوم الذي فيه يكون معلومًا لدينا، وكلّ الغموض وظلال الشك الباقية الآن سوف تختفي عند ظهور نور الإعلان الإلهي الكامل. كتب الرسول بولس: “فَإِنَّنَا نَنْظُرُ الآنَ فِي مِرْآةٍ فِي لُغْزٍ لَكِنْ حِينَئِذٍ وَجْهاً لِوَجْهٍ. الآنَ أَعْرِفُ بَعْضَ الْمَعْرِفَةِ لَكِنْ حِينَئِذٍ سَأَعْرِفُ كَمَا عُرِفْتُ” (١ كورنثوس ١٣ :١٢).

٢ . أظهر الله بكل وضوح عدالته الكاملة في تعاملاته مع الإنسان عبر كل صفحات الكتاب المقدس، وكلّ اتّهام عكس ذلك يتلقّى حصّة من التوبيخ: “…لأَنَّ اللهَ أَعْظَمُ مِنَ الإِنْسَانِ. لِمَاذَا تُخَاصِمُهُ؟ لأَنَّ كُلَّ أُمُورهِ لاَ يُجَاوِبُ عَنْهَا” (أيوب 33: 12ب، 13). “بَلْ مَنْ أَنْتَ أَيُّهَا الإِنْسَانُ الَّذِي تُجَاوِبُ اللهَ؟” (رومية ٩ :20). إن كان الله قد جعل آدم رأسًا للجنس البشري واحتسب خطيّة آدم على جميع البشر، فهذا حق وعدل. فالله يملك الحق الإلهي المطلق لكي يصمّم ويعمل حسب مسرّته الصالحة.

٣ . أن يسمح الله بأن يُجرَّبَ إنسانٌ واحدٌ نيابة عن كل البشر الآخرين لهو برهان عظيم على نعمة الله. ومع أن آدم كان الأكثر ملاءمة بين الجنس البشري بأجمعه، إذ قد عاش في مكان لم تلوثه خطيّة ولا انتشر فيه الفساد كما هي الحال في عصرنا، اختار الله الأعظم والأنبل بيننا ليقف ويأخذ مكاننا.
٤. كلّ براهين الكتاب المقدس، ومعها تاريخ البشريّة والشهادة الداخليّة للضمير في كلّ فرد،
تشير جميعها إلى يقينية أن أيًا من كان من نسل آدم لم يكن ليتصرف أفضل من آدم نفسه.
5. يتشارك كل نسل آدم بملء إرادتهم وحالما تسنح لهم الفرصة في تمرد آدم على الله، مما يبرهن على عدالة الله في إدانتهم.

٦ . لو كان من الخطأ أو الظلم أن يدين الله الجميع بسقوط ذلك الإنسان الواحد، آدم، لكان من الخطأ والظلم أيضًا أن يخلّص الله شعبه (أي المفديين) بطاعة الإنسان الواحد يسوع المسيح. إن كان لا يحق لله أن يحسب خطيّة آدم على البشريّة فلا يحق له أن يحسب خطيّة البشريّة على المسيح، ولا أن يحسب برّ المسيح للذين يؤمنون.

كلّ البشر مولودون في الخطيّة

إن الإعلان أن “كلّ إنسان مولود في الخطيّة” يعني أن الله حسب خطيّة آدم وذنبه على كلّ من يولد من نسله. فكلّ الناس هم خطاة منذ ولادتهم ويعاملون على هذا الأساس بسبب خطيّة آدم. من المهمّ هنا أن ننوِّه إلى أن هذا ليس مجرد “نظرية لاهوتية” أو “تفسير فلسفي”، بل هو تعليم كتابي واضح، وهو ظاهر باستمرار في حياتنا اليوميّة.

١ . نجد في رومية ٥ :١٢-١٩ التعليم الأكثر أهميّة في كلّ الكتاب المقدس من جهّة سقوط آدم واحتساب خطيّته على الجنس البشري كله. اقرأ النص حتّى تألف مضمونه، ثم اشرح معنى كلّ من الإعلانات التالية:

أ. مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَأَنَّمَا بِإِنْسَانٍ وَاحِدٍ دَخَلَتِ الْخَطِيَّةُ إِلَى الْعَالَمِ وَبِالْخَطِيَّةِ الْمَوْتُ (ع. 12):

مساعدة في الدراسة: بإنسان واحد دخلت الخطيّة إلى العالم. يؤكّد الكتاب المقدس على أن الله خلق كلّ الأشياء “حسنة” (تكوين ١ :٣١ (. إن التفسير الكتابي لوجود الخطيّة في عالم الله الجيّد هو أنّها دخلت “بواسطة” عصيان ذلك الإنسان الواحد – آدم. وبالخطيّة الموت. دخلت الخطيّة إلى العالم من خلال أوّل عمل متمرد صدر من آدم، وهكذا بالخطيّة دخل الموت إلى العالم – ومعه سلسلة من الأحداث المدمّرة. من المهمّ للغاية هنا أن ننبِّه إلى أن الموت لم يدخل إلى العالم بوصفه “نتيجة طبيعيّة” للخطيّة، بل عقابًا إلهيًا على الخطيّة. فالموت هو أجرة الخطيّة أو العقاب عليها (تكوين ٢ :١٧؛ حزقيال ١٨ :٤؛ رومية ٦ :٢٣).

ب . وَهَكَذَا اجْتَازَ الْمَوْتُ إِلَى جَمِيعِ النَّاسِ إِذْ أَخْطَأَ الْجَمِيعُ (ع. 12):

مساعدة في الدراسة: وَهَكَذَا اجْتَازَ الْمَوْتُ إِلَى جَمِيعِ النَّاسِ. بعد شرح كيف دخل الموت إلى عالم الله، يؤكّد لنا بولس ما نعرفه جميعنا بأنه حق، أن الموت اجتاز إلى جميع الناس. فكلّ الحياة تقود في نهاية المطاف إلى الموت الحتمي. يولد الناس لكي يموتوا. لأن الجميع أخطأوا. ومع أن تفسير بولس لامتداد الموت إلى جميع الناس هو تفسير موجز إلّا أنّه قوي. الموت هو أجرة الخطيّة أو عقابها (رومية 6: 23) واجتاز الموت إلى الجميع لأن الجميع “أخطأوا”. كُتبت كلمة “أخطأوا” في اليونانية للدلالة على فعل فُعِل في الماضي، ويستخدم عمومًا لوصف حدث في الزمن الماضي أو حدث مميَّز في التاريخ. وفي تلك الحالة فإن الحدث التاريخي الذي يشير إليه بولس هو خطيّة آدم وسقوطه. وبحسب القواعد اللغوية والقرينة (أي الآيات التالية)، نجد أن العبارة لا تعني أن الموت اجتاز إلى جميع الناس لأن جميع الناس “يخطئون”” أو أخطأوا مرة في وقت ما، بل اجتاز الموت إلى جميع الناس لأن الجميع “أخطأوا” في تلك اللحظة التاريخية في جنّة عدن عندما أخطأ آدم. وبخطيّة آدم، تم اعتبار الكل خطاة” (ع. 19). لهذا السبب امتد عقاب الموت إلى جميع الناس حتى إلى الأطفال، ومن مثلهم الذين يموتون من دون أن يكونوا هم أنفسهم قد ارتكبوا أية خطية شخصية.

ج. فَإِنَّهُ حَتَّى النَّامُوسِ كَانَتِ الْخَطِيَّةُ فِي الْعَالَمِ. عَلَى أَنَّ الْخَطِيَّةَ لاَ تُحْسَبُ إِنْ لَمْ يَكُنْ نَامُوسٌ. لَكِنْ قَدْ مَلَكَ الْمَوْتُ مِنْ آدَمَ إِلَى مُوسَى وَذَلِكَ عَلَى الَّذِينَ لَمْ يُخْطِئُوا عَلَى شِبْهِ تَعَدِّي آدَمَ الَّذِي هُوَ مِثَالُ الآتِي (الأعداد ١٣-١٤):

مساعدة في الدراسة: عُرضت هذه الآيات كبرهان على حقيقة أن الجميع “جعلوا خطاة” في آدم. المنطق التسلسلي واضح: (1) بحسب الكتاب المقدس (رومية ٦ :٢٣)، أجرة الخطيّة أو كسر إحدى وصايا ناموس الله هي الموت. فوحدهم الخطاة أو أولئك الذين يعصون ناموس الله هم الذين يموتون. (2) ومع ذلك فعدد لا حصر له من الناس ماتوا قبل أن يُعطَى ناموس موسى، ومات كذلك عدد لا حصر له من الأجنة في أرحام أمهاتهم على الرغم من أنهم لم يخطئوا قط بطريقة شخصية ولا عصوا ناموس الله. (3) إن موت أولئك الذين لم يرتكبوا شخصيًا خطايا على “شبه تعدّي آدم” لا يمكن تفسيره إلا على ضوء حقيقة أنّ خطيّة آدم قد حسبت عليهم، وحسبوا هم “خطاة” في آدم.

د . بِخَطِيَّةِ وَاحِدٍ مَاتَ الْكَثِيرُونَ (ع. ١٥):

مساعدة في الدراسة: تدل كلمة “الكثيرون” على العدد الغفير من البشر المتحدرين من أصل آدم. وحسبما أشير آنفًا، يوضح بولس الرسول أن الموت الذي يختبره جميع الناس هو نتيجة خطيّة إنسان واحد، وهو آدم. ومن خلال تعدّيه “أخطأ “الكثيرون (5: 12)، ولذا مات الكثيرون.

لأَنَّ الْحُكْمَ مِنْ وَاحِدٍ لِلدَّيْنُونَةِ (ع. 16):

مساعدة في الدراسة: تشير كلمة “حكم” إلى قضاء أو قرار محكمة أو حكم قضائي، بينما تشير كلمة “دينونة” إلى القرار بإدانة المتّهم. لقد نتج عن تعدّي آدم إصدار حكم عليه. وإصدار الحكم نتج عنه توقيع عقوبة عليه. وكانت العقوبة على جريمته هي الموت. هذه الدينونة وعقوبتها امتدت إلى جميع الناس، إذ “أخطأ الجميع” في آدم.

و. بِخَطِيَّةِ الْوَاحِدِ قَدْ مَلَكَ الْمَوْتُ (ع. 17):

مساعدة في الدراسة: بخطيّة الواحد جاء الموت ليمارس سلطته المطلقة على جميع الناس (أي أن الجميع يموتون). هذا أمر واقع لأن خطيّة آدم قد حُسبت على جميع الناس، فحسب الجميع “خطاة”. وكونهم خطاة، صاروا جميعًا تحت دينونة الله بالموت.

ز. بِخَطِيَّةٍ وَاحِدَةٍ صَارَ الْحُكْمُ إِلَى جَمِيعِ النَّاسِ لِلدَّيْنُونَةِ (ع. 18):

مساعدة في الدراسة: تلك الخطيّة الواحدة جلبت الدينونة على جميع الناس. يختصر هذا التصريح ما قيل في الأعداد ١٢-١٧. بخطية واحدة ارتكبها آدم صار جميع الناس خطاة (ع. 12، 19)، ومدانين ع. 16، 17)، ومصيرهم هو الموت (ع. ١٢، ١٤، ١٥، ١٧).

ح . بِمَعْصِيَةِ الإِنْسَانِ الْوَاحِدِ جُعِلَ الْكَثِيرُونَ خُطَاةً (ع. 19):

مساعدة في الدراسة: إن كلمة “جُعل” معناها “احتُسِب”، أو “نُسِب إلى”، أو “أُعطِيَ صفة قانونيًا”. نتيجة لعصيان آدم جميع الناس تم اعتبارهم وصار التعامل معهم على أنّهم خطاة. ومن الجدير بالذكر هنا أن بولس لا يقول عن الكثيرين أنّهم جُعلوا خطاة نتيجة لخطيّة آدم، (أي، ولدوا بطبيعة خاطئة)، وهو ما أدى إلى أن يعيشوا حياة الخطية، ومن ثمّ يسري عليهم حكم الموت، لكن ما يقوله هو أن الكثيرين قد تَعيَّنوا “خطاة” ووقعوا تحت عقاب الموت حتى قبل أن تسنح لهم الفرصة أن يخطئوا شخصيًا.

الإنسان مولود في الفساد

لم يكن الموت هو الجزاء الوحيد لخطيّة آدم، بل أيضًا الفساد الأخلاقي. فقد سقط آدم من حالة البراءة وصار مخلوقًا فاسد الأخلاق. وبما أن ذنب خطيّة آدم يتحمّله جميع الناس فكذلك يتحملون الجزاء، أي الموت والفساد الأخلاقي. وكلّ من هو من نسل آدم صار مولودًا تحت حكم الموت، والفساد الأخلاقي، والميل الكامل نحو الشرّ.
الواضح مما يختبره البشر على الصعيد الفردي والجماعي هو أن الفساد الأخلاقي ليس خبرة يتعلمها الإنسان ولا هو سلوك يحاكي به آخرين، بل هو متأصل بعمق في قلبه. إن تاريخ البشريّة ومعه الأعمال الأدبية العلمانيّة والدينيّة، والفلسفة والدين، حافل بالأمثلة على حالة الصراع الذاتي للإنسان مع فساده الأخلاقي، ونزعته إلى الشر. لقد شكّلت عبارات الوحي التي سجلها الرسول بولس الأنين عند كلّ إنسان فَهِم واقع فساده الأخلاقي، “لأَنِّي لَسْتُ أَعْرِفُ مَا أَنَا أَفْعَلُهُ إِذْ لَسْتُ أَفْعَلُ مَا أُرِيدُهُ بَلْ مَا أُبْغِضُهُ فَإِيَّاهُ أَفْعَلُ” (رومية ٧ :١٥).

إن أحد أهم العبارات المستخدمة من قبل اللاهوتيين لوصف عمق حالة الفساد أو التلوّث الأخلاقي الموروثة هي عبارة “الفساد الكلّي”. إن كلمة “فساد” depravity في اللاتينيّة من حرف الجر de الذي يعبّر عن الكثافة وكلمة pravus التي تعني “منحرف” أو “معوج” أو “ملتوٍ”. إن الكلام عن شيء أنه فاسد “depraved” يعني أن حالته الأصلية قد انحرفت أو صارت معوجة أو فاسدة على نحو شامل. والقول بأن الإنسان فاسد “depraved” يعني أنّه سقط من حالة البراءة الأصلية وأن طبيعته ذاتها صارت فاسدة على نحو شامل. وعندما يستخدم اللاهوتيّون مصطلحات مثل فساد “كلي، أو منتشر، أو جوهري”، من المهم لنا أن نعرف ماذا يعنون بذلك، وماذا لا يعنون:

الفساد الكلّي لا يعني…

… أن صورة الله في الإنسان قد فُقدت تمامًا عند السقوط. في تكوين ٩ :٦، و١ كورنثوس ١١ :٧، ويعقوب ٣ :٩، يشير الكتاب المقدس إلى أن الإنسان “خُلق على صورة الله،” لذلك هناك حقيقة في القول بأن صورة الله تبقى في كلّ إنسان.
2. … أن الإنسان ليس لديه معرفة لشخص الله ومشيئته. يعلّمنا الكتاب المقدس أن البشر لديهم معرفة كافية عن الله الحقيقي ومع ذلك يبغضونه، كما أن لديهم معرفة كافية عن الحقّ الإلهي ومع ذلك يرفضونه ويحاولون أن يقيدوه (رومية ١ :٣٠؛ 1: 18).

٣. … أن الإنسان ليس لديه ضمير أو أنه فاقد الحس تمامًا تجاه الخير والشر. في رومية ٢ :١٥، يعلّمنا الكتاب المقدس أنّ كلّ إنسان لديه ضمير. إن لم يكن موسومًا (١ تيموثاوس ٤ :٢)، فمثل هذا الضمير قد يقود الإنسان للإعجاب بالشخصية الفاضلة والأعمال الحسنة.

4. … أن الإنسان عاجز عن إظهار الفضيلة. هناك أناس يحبّون عائلاتهم، ويُضحُّون بحياتهم من أجل إنقاذ حياة آخرين، ويقومون بأعمال عظيمة تعبِّر عن الكرم والإيثار. من المتعارف عليه أن الناس يمتلكون القدرة على محبّة الآخرين، وعلى القيام بواجباتهم المدنية، وحتى الأعمال الخيرية الدينية الظاهرية.

٥. … أن جميع الناس فاسدو الأخلاق على نحو شامل، وأن جميعهم متساوون في الفساد، بمعنى أنّهم جميعهم منغمسون في جميع أشكال الشرّ الممكن تصورها. ليس كل الناس مجرمين، منحرفين جنسيّا أو قتلة، لكن جميعهم قادرون على ارتكاب مثل هذه الشرور، وأما ما يحجز الناس عن ارتكابها فهي نعمة الله.

ما يعنيه الفساد الكلي …
١ … أن صورة الله في الإنسان قد تشوّهت على نحو خطير، وأن الفساد الأخلاقي قد لوّث الإنسان بجملته: الجسد (رومية ٦ :٦، ١٢؛ ٧ :٢٤؛ ٨ :١٠، ١٣)، والعقل (رومية ١ :٢١؛ ٢ كورنثوس ٣ :١٤، ١٥؛ ٤:٤؛ أفسس ٤ :١٧-١٩(، والعواطف (رومية ١ :٢٦-٢٧؛ غلاطية ٥:٢٤؛ ٢ تيموثاوس ٣ :٢٤)، والإرادة (رومية ٦ :١٧؛ ٧ :١٤، ١٥).

٢ … أن الإنسان مولود ولديه ميل شديد أو نزعة نحو الخطيّة. كلّ إنسان قادر على ارتكاب أفظع الشرور، وأبشع الجرائم، وأكثر الانحرافات المخزية.

٣ … أن كلّ ما يفعله الناس ملوث بفسادهم الأخلاقي. ففساد الإنسان أخلاقيًا وخطيّته متغلغلان حتى في أكثر أعماله التي تستحقّ الثناء (إشعياء ٦٤ :٦).

٤ … أن أعمال الإنسان وإن كانت صالحة ليس لها أي صلة بدافع محبّته لله ولا تَنِم عن أي رغبة في طاعة وصاياه. فلا يوجد من يحب الله حسبما يستحقّ الله أو حسبما يطالب الناموس (تثنية ٦ :٤-٥؛ متى ٢٢ :٣٧)، وليس من يمجّد الله في كلّ أفكاره وكلماته وأعماله (1 كورنثوس ١٠ :٣١؛ رومية ١: 21). يفضّل الجميع أنفسهم على الله (٢ تيموثاوس ٣ :٢-٤). كلّ أعمال الكرم والإيثار والصدقات والواجبات المدنيّة والواجبات الدينيّة الظاهرة مدفوعة كلها بمحبّة الذات لا بالمحبّة لله.

٥ … أن ذهن الإنسان عدائي تجاه الله، ولا يقدر أن يخضع لمشيئة الله، ولا يستطيع أن يرضي الله (رومية ٨ :7، 8).

٦ … البشر ميالون أكثر فأكثر للفساد الأخلاقي، وهذا الانحدار سيكون أسرع لولا نعمة الله التي تحجز شر البشر.

٧ … الإنسان عاجز عن تحرير نفسه من حالته الخاطئة والفاسدة. فهو ميّت روحيّا (أفسس ٢ :١٣(، وفاسد أخلاقيًّا (مزمور ٥١ :٥)، ولا يستطيع أن يغير نفسه (إرميا ١٣ :٢٣).

الآن وبعد أن قمنا بتلخيص معنى الفساد الكلّي، أو الشامل، سوف نعود لنتأمل تعليم الكتاب المقدس. وسوف نرى الكثير من الشواهد لما تعلّمناه، بما أن الجميع يحملون خطيّة آدم فالجميع يحملون العقاب أيضًا، أي الموت والفساد الأخلاقي. كلّ مولود من نسل آدم مولود فاسد أخلاقيًا ولديه ميل كُلِّي نحو الشرّ.

١. من خلال دراسة متأنية لتكوين ٥ :١-٣، سنرى بوضوح العواقب الوخيمة للسقوط وانتشار الفساد إلى الجنس البشري بأكمله. اقرأ النص حتّى تألف محتواه، ثم أجب على الأسئلة التّالية:

أ. بحسب تكوين ٥ :١، مَن الذي على صورته خُلق آدم؟

ب. بحسب تكوين ٥ :٣ مَن الذي على صورته خُلق نسل آدم؟ اشرح أهميّة هذه الحقيقة؟

مساعدة في الدراسة: خُلق آدم على “صورة الله”، لكن نسل آدم خلقوا على صورة آدم الساقطة والفاسدة. ومن الجدير ذكره هنا أن الإنسان لا يرث الفساد الأخلاقي من آدم على طريقة نقل السمات الجسدية أو التشوهات من الأب إلى ابنه. فالفساد الأخلاقي لنسل آدم هو نتيجة دينونة الله لهم. أخطأ آدم وصار تحت قصاص الموت والفساد الأخلاقي. وحُسبت خطيّة آدم على جميع نسله لذلك صار الجميع تحت القصاص ذاته، أي الموت والفساد.

٢. منذ سقوط آدم صار جميع الناس يولدون بطبيعة فاسدة أخلاقيًا مجردة من الخير، معادية لله، وميالة نحو الشرّ. ماذا تعلّم المقاطع الكتابيّة التالية عن هذه الحقيقة؟ وكيف تبرهن على أن الفساد الأخلاقي للإنسان لم ينتج عن سلوك تعلمه، بل هو انعكاس لطبيعته ذاتها؟

مزمور ٥١ :٥

مساعدة في الدراسة: هذا لا يعني أن العلاقة الجنسية بين والدَي داود، التي نتج عنها ولادته كانت علاقة خاطئة. لقد أوصى الله البشر أن يتكاثروا وينجبوا أولادًا (تكوين ١ :٢٨). داود هنا يعرض ببساطة حقيقة يدافع عنها الكتاب المقدس ويُظهرها تاريخ البشريّة، أي أن الفساد الأخلاقي للإنسان ونزعته إلى الشرّ ليس سلوكًا يتعلمه، لكنه جزء من كيانه أو طبيعته.

مزمور ٥٨ :٣

تكوين ٨ :٢١

مساعدة في الدراسة: تشير كلمة “حداثته” إلى حياة الشخص الباكرة أو طفولته وصباه. فلا حاجة لتعليم الولد كيف يكون أنانيًا، أو مُحبًّا لذّاته، أو اللجوء للكذب أو الغش، إلخ. فمثل هذه المواقف والتصرفات الخاطئة تنبع جميعها من طبيعة الإنسان ذاتها.

٣. بعدما أكدنا على حقيقة أن الإنسان يولد وفيه الفساد الأخلاقي لآدم، سوف نتأمل الآن في المقاطع الكتابيّة التي توضح خطورة أو عمق هذا الفساد الأخلاقي. ماذا تُعلّمنا المقاطع الكتابيّة التّالية عن مدى وعمق فساد الإنسان؟

تكوين ٦ :٥

مساعدة في الدراسة: من أجل توضيح الصورة، لنفترض أن أحدهم قام بتسجيل جميع أفكار شخص ما منذ لحظات صباه الباكرة حتى الآن على فيلم فيديو، ثم عُرض هذا الفيلم على أصدقاء ذلك الشخص المقرّبين وعائلته وعلى جميع الذين شارك معهم أكثر أفكاره وضعفاته الشخصية سريةً. لن يكون من المبالغة إن قلنا أنّه (أي الشخص بطل الفيلم) سيشعر بالخجل لدرجة أنّه قد لا يعود باستطاعته مواجهتهم من جديد.

أيوب ١٥ :١٤-١٦

أيوب ٢٥ :٤٦

جامعة ٩ :٣

إشعياء ٦٤ :٦

مساعدة في الدراسة: إن أعظم الأعمال التي يفتخر بها الإنسان إن هي أمام الله إلّا أسمال بالية، أي خِرَق ممزقة كما يقول الكتاب المقدس. من الممكن أن يكسو أحدهم الأبرص بأرقى أنواع الحرير الأبيض لتغطية قروحه، ولكن سرعان ما يبدأ فساد جلده بتلويث الثوب الثمين بدماء القروح، تاركًا الجسد بشعًا تمامًا وكأن أحدًا لم يَسْعَ إلى تغطيته. هكذا هي “أعمال الإنسان الصالحة” أمام الله. إنّها محمّلة بفساد الإنسان الذي يعملها.

٤. عندما نتحدّث عن الفساد الأخلاقي للإنسان يجب أن نلفت الانتباه إلى القلب. يشير القلب في الكتاب المقدس إلى المكان حيث تتمركز الإرادة والعواطف. فالقلب يمثّل جوهر الكيان البشري. أجب على الأسئلة التالية لإتمام التمرين:

أ . كيف يصف إرميا ١٧ :٩ قلب الإنسان؟

ب. كيف يؤثّر قلب الإنسان الفاسد على كيانه بالكامل وعلى جميع أعماله بحسب متى 15: 19، 20 ومرقس ٧ :٢٠-٢٣؟

٥ . لكي نختم هذا القسم من الدراسة عن الفساد الأخلاقي للإنسان سوف نتأمل ذلك التصريح الموجز – والقوي في الوقت نفسه – للرّب يسوع المسيح في متى ٧ :١١. ما هو هذا التصريح وكيف يبرهن على قناعة المسيح القويّة بالفساد الأخلاقي للإنسان؟

إن كنتم وأنتم أ___________،…

٦. بناء على النصوص الكتابية التي درسناها في الأسئلة من ١-٥، لخّص ما تعلّمته عن الفساد الأخلاقي للإنسان:

الدرس الرابع
الموت الرّوحي
والعجز الأخلاقي

معنى الموت الرّوحي
هناك عبارة مهمّة يستخدمها اللاهوتيّون لوصف عمق فساد البشر الأخلاقي؛ تلك العبارة هي “الموت الرّوحي”. إذ أن الحكم الإلهي الذي صدر على آدم وفقًا للكتاب المقدس لم ينتج عنه الموت الجسدي فقط بل أيضا موته الرّوحي. صار آدم متجاوبًا مع كلّ أنواع المحفزات الشرّيرة البشرية منها والشيطانية، ولكنّه لم يعد متجاوبًا مع شخص الله ولا مع مشيئته.
يعلّمنا الكتاب المقدس أن هذا الجانب من الحكم الإلهي الذي صدر على آدم لم يقف عند آدم وحده بل شمل الجنس البشري كله. فصار كلّ كائن بشري يولد في هذا العالم جهيضًا (ميّتًا روحيًّا) ليس به أية حياة رّوحيّة حقيقيّة مع الله، وغير متجاوب نحو شخص الله ونحو مشيئته. ولكي يتجاوب الإنسان الساقط مع الله بمحبّة وطاعة يلزمه قيامة روحيّة بعمل قوّة الله ونعمته الفائق للطبيعة.

١. بحسب تكوين ٢: ١٧ حذَّر الله آدم من العواقب الوخيمة في حالة العصيان. وفقًا لهذا النصّ، ماذا حدث في اليوم الذي تعدّى فيه آدم على وصيّة الله؟ ماذا يعلمنا هذا النصّ عن الموت الرّوحي الذي جلبه آدم على نفسه نتيجة لخطيّته؟

مساعدة في الدراسة: كان الموت هو العقاب على خطيّة آدم (رومية ٦ :٢٣). لم يكن هذا الموت جسديًا فقط بل كان روحيًا أيضًا. لقد صار يتجاوب أو يتفاعل مع كلّ أشكال المثيرات الشريرةّ، البشريّة منها والشيطانيّة، وغير مبالٍ بشخص الله وبمشيئته.

٢. يعلّمنا الكتاب المقدس أن الحكم الإلهي على آدم بالموت الرّوحي لم يقتصر عليه وحده بل شمل الجنس البشري بالكامل. كلّ إنسان يولد في هذا العالم ميّتًا روحيًّا، يخلو من أية مظاهر للحياة الرّوحيّة الحقيقيّة مع الله، وغير متجاوب مع الله ومع مشيئته. في أفسس 2: 1 – 3 نجد أحد أهم المقاطع الكاشفة في الكتاب المقدس التي تصف الموت الرّوحي للإنسان الساقط. اقرأ النص حتّى تألف محتواه، ثم اشرح معنى كلّ آية بأسلوبك الخاص:

أ . وَأَنْتُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَمْوَاتاً بِالذُّنُوبِ وَالْخَطَايَا (ع. 1)

مساعدة في الدراسة: قبل تجديده (اهتدائه) يكون كل إنسان ميّتًا روحيًّا. يرى الكتاب المقدس هذا الموت الرّوحي أنّه ناتج عن “خطايانا”، الخطيّة التي حُسبت علينا “في آدم” (رومية ٥ :١٢)، وهي تلك الخطيّة عينها التي نمارسها (ع. 2).

ب . الَّتِي سَلَكْتُمْ فِيهَا قَبْلاً حَسَبَ دَهْرِ هَذَا الْعَالَم (ع. 2).

مساعدة في الدراسة: كلّ إنسان “يسلك في” أو”يمارس” الخطيّة كنمط حياة قبل التجديد. لا يسلك وفقًا لإرادة الله بل وفقًا لطرق عالم ساقط متمرد على الله ومعادٍ له.

ج. حَسَبَ رَئِيسِ سُلْطَانِ الْهَوَاءِ، الرُّوحِ الَّذِي يَعْمَلُ الآنَ فِي أَبْنَاءِ الْمَعْصِيَةِ (ع. 2).

مساعدة في الدراسة: كلّ شخص قبل التجديد لا يسلك فقط وفق الطرق البشريّة الساقطة، بل ويعيش بطريقة تشاكل (تماثل) إرادة إبليس. يا لها من حقيقة مرعبة!

د. الَّذِينَ نَحْنُ أَيْضاً جَمِيعاً تَصَرَّفْنَا قَبْلاً بَيْنَهُمْ فِي شَهَوَاتِ جَسَدِنَا، عَامِلِينَ مَشِيئَاتِ الْجَسَدِ وَالأَفْكَارِ (ع. 3).

مساعدة في الدراسة: كلّ البشر قبل التجديد ومن دون استثناء تقودهم أو تدفعهم شهواتهم الجسدية (أي الرغبات الشرّيرة للطبيعة الساقطة المعادية لله والمتمرّدة عليه)، فتراهم يطلقون العنان لرغباتهم وأفكارهم الشرّيرة.

ه. وَكُنَّا بِالطَّبِيعَةِ أَبْنَاءَ الْغَضَبِ كَالْبَاقِينَ أَيْضًا (ع. 3).

مساعدة في الدراسة: قبل التجديد، يمكث غضب الله على الإنسان (يوحنا ٣ :٣٦). من المهمّ أن نفهم أن غضب الله لا ينصب على البشر فقط بسبب أعمالهم، بل أيضًا بسبب طبيعتهم. فطبيعة الإنسان الساقطة والشرّيرة تستدعي غضب الله.

٣. نجد في أفسس ٤ :١٧-١٨ وصفًا آخر مهمًّا للموت الروحي الذي يمكث في قلب كلّ إنسان قبل التجديد. اقرأ النص عدّة مرّات حتى يصبح محتواه مألوفًا لديك، وبعد ذلك اشرح معنى كلّ من الحقائق التالية:

أ. يَسْلُكُ سَائِرُ الأُمَمِ ]الناس الساقطون[ أَيْضاً بِبُطْلِ ذِهْنِهِمْ، إِذْ هُمْ مُظْلِمُو الْفِكْرِ (ع. 17، 18)

مساعدة في الدراسة: إن “ذهن” الإنسان الميّت روحيّا قد يملك القدرة على إنجاز أعمال عظيمة في حقل العلوم والعمارة والأدب، وإلخ…، لكنّه فيما يختص بالله هو فارغ من الحقّ الإلهي وممتلىء بشتى أنواع الهرطقات والأباطيل والمتناقضات المنطقية. عندما يحاول الساقطون أن يكونوا “روحيين” أو “متديّنين” تكون النتائج كارثية، بل ومنافية للعقل.

ب. وَمُتَجَنِّبُونَ عَنْ حَيَاةِ اللهِ (ع. 18).

ج. لِسَبَبِ الْجَهْلِ الَّذِي فِيهِمْ بِسَبَبِ غِلاَظَةِ قُلُوبِهِمْ (ع. 18).

مساعدة في الدراسة: من المهمّ أن نفهم أن الإنسان ليس ضحيّة، وكأنّ انفصاله عن الله هو بسبب جهالته المحتومة التي لا حول له ولا قوة أمامها. إن جهالة الإنسان هي أمر فرضه على نفسه. فهو عدائي نحو الله ولا يريد أن يعرفه ولا أن يعرف مشيئته. فالإنسان جاهل بالأمور الروحيّة لأنّه يغلق عينيه ويرفض بإرادته أن ينظر إلى الله؛ كما يغطي أذنيه رافضًا الإصغاء.

د . اَلَّذِينَ إِذْ هُمْ قَدْ فَقَدُوا الْحِسَّ، أَسْلَمُوا نُفُوسَهُمْ لِلدَّعَارَةِ لِيَعْمَلُوا كُلَّ نَجَاسَةٍ فِي الطَّمَعِ (ع. ١٩ (

مساعدة في الدراسة: نتيجة لتقسية قلبه تجاه الله، يصبح الإنسان الساقط صلبًا قاسي الفؤاد مقاومًا لكل حق روحي أو فضيلة. ومن ثم يلقي بنفسه في أحضان الشرّ الذي يقاومه الله.

٤. في الكتاب المقدس صفات عديدة للموت الروحي عند الإنسان الساقط وهذه الصفات تفسّر لنا ماذا يعني أن يكون الإنسان “ميّتًا روحيًّا”. أكمل كلّ تصريح، ثم اشرح معناه:

أ. البشر الساقطون أ____________ حتى وهُم أ _________ (1 تيموثاوس 5: 6(.

مساعدة في الدراسة: قبل التجديد، يكون الإنسان بمثابة جثّة روحيّة – حيّ بالجسد، لكنّه ميّت بالرّوح. وهو ميّت عن حقيقة الله ومشيئته.

ب. البشر الساقطون لهم اسم أنّهم أ________، ولكنّهم أ _________ (رؤيا ٣ :١).

مساعدة في الدراسة: قد يظهر الإنسان بشكل متديّن كثيرًا، قبل التجديد، وكأنّه تقي ورِع، يهاب الله، ولكن كلّ أعماله هي ظاهرية، شكلية، تحرّكها محبّة الذّات. أما في قلبه فهو لا يحب الله، ولا يبالي لمجده.

ج. البشر الساقطون قلوبهم من الحـ _________ (حزقيال ١١ :١٩).

مساعدة في الدراسة: تمثال الحجر هو شيء جامد يخلو من الحياة ولا يستجيب لأيّ شكل من أشكال الحافز. يمكن للمرء أن ينخس تمثالًا أو أن يهمزه أو أن يضغط عليه بشكل موجع غير أن التمثال لن يتأثر. هكذا قلب الإنسان الساقط لا يتجاوب مع المحفزات الإلهية. إنه ميّت من نحو الله حاله حال الحجر.

د. البشر الساقطون هم كأشجار خـ_______ من دون ثـ______ ميّتة مـ_______، م_______ (يهوذا 1: 12).
مساعدة في الدراسة: إنّه لمن الصعب أن نجد تصورًا أوضح لحالة الموت الروحي عند الإنسان الساقط. فقبل التجديد، ليس هناك حياة روحيّة في الإنسان.

ه . البشر الساقطون يمارسون الواجبات والطقوس الدينيّة التي هي في نظر الله أعمال مـ_______ (عبرانيين ٦ :١؛ : 9: 14).

مساعدة في الدراسة: أكرر، قد يظهر إنسان ما قبل التجديد وكأنّه متديّن جدًا، لكن كلّ أعماله مظهريّة خارجيّة تقودها محبّة االذات. فهو عقيم مثل شجرة ميتة.

معنى العجز الأخلاقي
“العجز الأخلاقي” عبارة أخرى شاع استخدامها في أوساط دارسي اللاهوت لوصف مدى الفساد الأخلاقي للإنسان أو الفساد الجوهري. هذه العقيدة تعلّمنا أن الإنسان الساقط عاجز عن محبّة الله وعن إرضائه.
قد يسأل من يسمع هذه العقيدة: “كيف يكون الإنسان مسئولًا أمام الله إذا كان عاجزًا عن العمل بأي من وصايا الله؟” الجواب مهم للغاية. لو كان الإنسان لا يحبّ ولا يطيع الله بسبب نّقص في قدراته العقليّة التي تُمكِّنه من أن يحب ويطيع، أو كان يعاني إعاقة جسديّة تمنعه بشكل ما عن محبّة الله، لكان الله غير عادل إن طالبه بالمسئولية على ما لا يستطيع فعله؛ ولكان هذا الإنسان ضحيّة. لكن ليس هكذا هي الحال مع الإنسان، فعجزه أخلاقي وناتج عن عداوته لله. الإنسان عاجز عن محبّة الله لأنّه يكره الله. وهو عاجز عن طاعة الله لأنّه يزدري بوصاياه. وهو عاجز عن أن يرضي الله لأنّه لا يبالي بمجد الله وبمشيئته الصالحة ولا يعتبرها هدفًا يستحق العناء. الإنسان ليس ضحيّة بل مجرم. وهو لا يستطيع لأنّه لا يريد. لأن فساده وعداءه لله شديدان حتى أنه يُفضِّل أن يهلك أبديًا عن أن يعترف بالله بوصفه الإله الحي الحقيقي، ويخضع لسيادته. لذلك فإن العجز الأخلاقي يمكن أن نطلق عليه أيضًا العداوة المتعمدة. وأفضل مثال عن “العجز الأخلاقي” أو “العداوة المتعمدة” موجود في تكوين ٣٧ :٤:
“فَلَمَّا رَأى إخْوَتُهُ (أي إخوة يوسف) أنَّ أبَاهُمْ أحَبَّهُ أكْثَرَ مِنْ جَمِيعِ إخْوَتِهِ
أبْغَضُوهُ وَلَمْ يَسْتَطِيعُوا أنْ يُكَلِّمُوهُ بِسَلامٍ.”

إخوة يوسف لم يستطيعوا أن يكلّموه بسلام؛ ليس بسبب أي عجز جسدي يمنعهم عن الكلام (حيث أنهم لم يكونوا بُكمًا)، لكن لشدة بغضهم له لم يكونوا راغبين في أن يُظهروا له أي ود. وهكذا هي الحال مع الإنسان الساقط؛ فعداوته لله شديدة حتى أنّها تمنعه من أن يُخضع نفسه لله.